إن الإشارة للبديرية بأنهم جزء من المجموعة الضنقلاوية ( مما سيرد في النص الذي سنتعرض له )، فيها لمحة لبعض مفاهيم ذلك الزمان ، و تصحيح لفهم حالي سائد بأن الضناقلة الآن هم الرطانة ، بينما نجد هذا اللفظ كان يطلق عموما على القبائل التي تسكن تلك المنطقة ، عليه لا يوجد ما يسمى بالضناقلة كجنس، بل هي ضنقلا حيث اجتمعت القبائل هناك من بديرية و طريفية و جوابرة و حاكماب و غيرهم ، و لقد كانت السيادة و الإمارة عند البديرية الدهمشية.
إن هناك بعض التدليس في تارخ تلك القبيلة ، قد لا يكون حدث عن قصد ، و لكنه تكرار لبعض تاريخٍ أخذ من مصدر واحد ، فكان لابد فيه من الخطأ .
يقول الشيخ الجليل محمد عبد الرحيم رحمه الله تعالى في كتابه النداء في دفع الافتراء :
أما الدناقلة فإنهم أخذوا من ذلك انهم سوف يكونون هدفا لمطامع الشايقية مالم يستعدوا لفطم تلك المطامع بدفاع مجيد فاجتمع أعيان الاربع ممالك بالخندق و بعد المداولة قرروا جلب الاسلحة النارية من القاهرة فقام بعض تجارهم و اشتروا كمية عظيمة من شركات الافرنج بالقاهرة و استأجروا جماعة لتعليم استعمال تلك الاسلحة التي ما كانت معروفة الاستعمال بالسودان ، ثم قسمت الاسلحة أخذ كل ملك نصيبه منها و اختار من رجاله من يصلح للمحاربه بها و أعدوا العدة .
حدث ذلك كله و لم يعرف الشايقية . الذين كروا في جموع هائلة فقام ملك الدفار برجاله إلى الخندق و نحا نحوه ملك تنقسي و سار إليهم ملك أرقو فاصبحت الخندق تموج بالجيوش الآتيه من الجهات و أسندت القياده العامة للملك بشيرالخندقاوي و كان جبارا لا يبالي بالمكاره ، هذا ما كان من أمر الدناقله .
أما الشايقية فغرهم قيام الدفارية من بلادهم فضاعف ذلك نشاطهم و واصلوا الزحف إلى أن دنو من بلدة القولد و قابلهم البديرية و نشبت الحرب بينهما و حرص الفريقان إلا أن الشايقية لم يقو على الثبات أمام نيران البنادق فهزموا هزيمة نكراء و طاردهم فرسان البديرية إلى بلدة الغريبة أما الملك جاويش فانه نزل من فرسه و جلس أي "فرش" فأجهز عليه العدو كما تدل أغاني الشايقية في محاربتهم حملة إسماعيل باشا التي قالوا فيها:
نركب ننقنق جرسنا .... غرب ود الـعـود جلسـنـا
مالنا نحن أن فرشنا ... هيلنا من جاويش حرسنا
و لقد توسط بعض العلماء في الصلح فتم بعد أن غرس حجر طويل في شمال النيل و يمين الغريبة لم يزل قائما و هو الحد بين الشايقية و الدناقة .
أما فرض الاتاوة للشايقية فكذب من الألف إلى الياء فالأتاوة تجي أنذاك من الشيايقيه و الدناقله لملك سنار و عامله فرح والد سعيد محمد فرح الذي ظل كذلك إلى سنة 1236 هـ .1821م و أقره إسماعيل باشا على و لايته التي بقيت في سعيد محمد فرح الذي قتله خليفة المهدي وابنه يشغل منصبه الان و لما هجم أحمد الهدي من دنقلا و فشل أسر الدناقلة جماعة من الشايقية و صاروا يؤنبونهم على ما كانوا يشيعونه بأنهم كانوا يربطون الدناقلة بورق البصل و أخذ الدناقلة يفتخرون و يعرضون بالشايقية كقولهم
التـــركية نحن القـمـنا حـــاربناها .... مانَّا عساكـــــرا المرتزقة كنا معاهـا
شاهرين سيوفنا الما عشقنا سواها .... ضعضعنا المدافع و الجلل خضناها
و في هذا تعريض بالشايقية الذين كانوا ضد المهدية.
نحن الخيلنا غارن في نواحي سواكن .. و نحن صغيرنا1 يخطف في العلوج الماكن
نحن شايبنا2 عارف للحروب و عراكن...يدخل في السواريخ قلبه ثــــــابت و ساكن
__________________________________________________________
1/صغيرنا فيها توريه يحتمل الصغير من حيث هو ، و يحتمل عبدالرحمن صغير الجموعي الذي اقلق مضاجع الأنكليز بسواكن و كان يخلع ملابسه ما عدا السراويل و يحارب عاريا كضرار بن الأزور الصحابي رضي الله عنه.
2/شايبنا فيها توريه أيضا يصح القصد بها الشايب حيث ما كان لأو شايب أحمد الدنقلاوي من سكان الكاملين الذي كان رحمه الله من أبرز فرسان المهدية الذين اشتركوا في حروب عثمان دقنه في سواكن.
